محمد متولي الشعراوي

10342

تفسير الشعراوي

وقوله تعالى : { إِنَّ الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } [ النور : 62 ] فالاستئذان هنا من علامات الإيمان ، لا يقوم خِلْسة ( وينسلت ) من المجلس ، لا يشعر به أحد ، لا بُدَّ من أن يستأذن رسول الله حتى لا يُفوت مصلحة على المؤمنين ، ولربما كان له رَأْيٌ ينتفع به . والرسول إما يستشير أصحابه ليستنير برأيهم وتجاربهم ، فحين يدعوهم إلى أمر جامع يجب أن يُفهم هذا الأمر على نطاق منزلة الرسول من بلاغة عن الله للأمة ، فإذا دعا نفر نفراً للتشاور ، فإنما يتشاوران في أمر شخصي يخصُّ صاحبه ، لكن حين يدعوهم رسول الله لا يدعو لخصوصية واحدة ، وإنما لخصوصية أمة ، شاء الله أن تكون خير أمة أُخْرِجَتْ للناس ، وسوف يستفيد الفرد أيضاً من هذه الدعوة ، وربما كانت استفادته من الاستجابة للدعوة العامة التي تنتظم كل الناس خَيْراً من استفادته من دعوته الخاصة ، فيجب أنْ يُقدِّر المدعو هذا الفارق . ومع وجود هذا الفارق لم يَحرِم اللهُ بعضَ الناس الذين لهم مشاغل أنْ يستأذنوا فيها رسول الله وينصرفوا ؛ لذا شرع لهم الاستئذان ، لكن يجب أنْ يضعوا هذا الفارق في بالهم ، وأنْ يذكروا أنهم انصرفوا لبعض شأنهم ، والرسول قائم في أمر لشؤون الدنيا كلها إلى أنْ تقوم الساعة . فكأنه إنْ شارك في هذا الاجتماع فسيستفيد كفرد ، وستستفيد أمته : المعاصرون منهم والآتُون إلى أنْ تقومَ الساعة ، فإنْ فضّل شأنه الخاص على هذه الشؤون فقد أساء ، وفعل مَا لا يليق بمؤمن ؛ لذلك أُمر رسول الله أنْ يأذنَ لمنْ يشاء ، ثم يستغفر له اللهَ .